الثلاثاء، ١٦ مارس ٢٠١٠

فن التمويل و البنوك الإسلامية: الربا (2-4)

أعجبني طرحه الشجاع عندما اخذ يتطرق للربا. فالدكتور يحيى يحلل الفائدة التي تحددها البنوك المركزية. و اعجبني ايضا تسلسل أفكاره. حيث يبدأ بدراسة الربا من الديانة اليهودية الى وقتنا الحالي.
في عام 1987 أنشأ الدكتور يحيى و ممولين مسلمين في امريكا شركة تمويل إسلامية أسمها بيت التمويل الامريكي لا ربا. هدف هذه الشركة تقديم الخدمات التمويلية بدون ربا لمن يريدها من  جميع الاديان. و من أجل تعريف الربا و تحريمه بالديانات اليهودية و المسيحية و المسيحية الانجيلية كلفوا متخصصين بهذه الديانات تقديم دراسات حول تحريم الربا. هذه الدراسات يرجع لها الدكتور يحيى بكتابة. و تستحق ان نتطرق لها بهذه المقالة.
كلفت شركة لا ربا الحاخام الدكتور يوسف كانسكي. و أيضا اليهودية تحرم الربا معتمدا على سفر الخروج فصل 22 آية 25 القائلة  "أن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا.". ولكن هذه التعليمات تعني العلاقة بين اليهود. و بالنسبة للربا او الفائدة بين اليهود و الغير فهي ايضا محددة. حيث يجب ان لا يكون بها غلو و تسد الحاجات الاساسية لليهودي الذي يدين الغير يهودي. اي إستغلال لضعف المدين محرم باليهودية.
و ايضا كلفوا البروفسور كريستوفر كازور من جامعة لايولا ان يقدم لهم دراسة عن الربا حسب المذهب الكاثوليكي في الديانة المسيحية. و بين لهم بأن الربا محرم بالديانة المسيحية. ففي متى 25 يقول الملك “ جعت فأطعمتموني عطشت فسقيتموني”  “فيجيبه الأبرار حينئذ  قائلين: يارب، متى رأيناك جائعا فأطعمناك، أو عطشانا فسقيناك؟”. و ينتقل الى القديس توماس اكويناس الذي يميز بين الشيء و استعمال الشيء. فهناك أشياء تستعمل دون ان تدمر مثل تأجير المنزل. و هناك ما يدمر من خلال استعماله مثل التفاحة. ولذلك حرم توماس اكوينس الربا. ولكن من حق الدائن ان يطلب مبلغا اكثر من اصل الدين كتأمين او تكلفة لهذا الدين.
و كلفوا البروفسور جون جولدينجي ليكتب عن الربا كما يراه الانجيليين. و بالنسبة لهم لا يجوز رهن أساسيات الحياة مثل ألأبناء او الثور او الحمار الذي يستعمله الانسان بحياته اليومية. و لا يجوز اخذ الفائدة من الفقراء. و واجب على الاغنياء ان يدينوا الفقراء و المحتاجين. و يوجب سيدنا المسيح تقديم الدين حتى الى الاعداء.
و عندما يتطرق الدكتور يحيى  الى الربا بالإسلام يبدع. يبدأ بالآية الكريمة التي حرمت الربا. و يبين بأن الربا لا يشمل المال فقط، بل يشمل المواد الأساسية مثل الذهب و الفضة و الحنطة. و ينتقل الى انواع الربا، ربا الفضل و ربا النسيئة. و من ثم ينتقل الى أصول الفقه و كيف ممكن ان نشتق الاحكام. و يتطرق الى كيف كان المسلمين يتعاملون بالدين عندما كان يتعلق بمواد مختلفة. و يذكر حادثة الصحابي بلال عندما اشترى التمر و اهداه للرسول. فعندما سأله الرسول كيف حصلت على هذا التمر الكبير قال له بأنه بادل صاعين التمر الصغير بصاع من التمر الكبير. فقال له الرسول بأن هذا ربا و عقد غرر. كان الواجب ان يبيع التمر الصغير و يشتري بثمنه تمر كبير.
بعد هذا التحليل العميق، يستخلص الدكتور يحيى نظرية التسعير السوقي و نظرية مؤشر السلع. فعندما يأتي بنك ويتير عميل يريد الإقتراض من اجل شراء منزل يطلبون منه ان يأتي بتقدير أسعار الإيجار لمنزل مشابه لما يريد شراءه بالمنطقة ذاتها. و هم ايضا يأتون بتقدير مماثل. و يتم الاتفاق على ان العائد على هذا الاستثمار هو اجار المنزل المراد شرائه. و بالنسبة لتقيم الامور المختلفة يرجعون الى مؤشر السلع.
و من ثم ينتقل الدكتور يحيى الى الفائدة بوقتنا هذا. و يبدأ من اتفاقية بريتون وودز التي قيمة العملات المختلفة بالذهب. و قرار الرئيس نيكسون الذي الغى به العلاقة بين الذهب و الدولار الامريكي. و يقول بأن هذا القرار قد خلق إرباك بسوق العملات لا نزال نعاني منه. و من اجل ان تحافظ الدول على اسعار عملاتها ترفع او تخفض الفائدة التي يقررها البنك المركزي. هذه الفائدة لا يراها الدكتور يحيى كربا ولكن كضريبة للتعامل بهذا العملة ان كانت دولار او اي عملة دولية اخرى. و يقترح ان يتفق العالم على مؤشر السلع الذي ذكره سابقا حتى نلغي الحاجة لفوائد البنوك المركزية.
و بعد ذلك يراجع الأساليب التي تتبعها البنوك الاسلامية مثل المرابحة التي برأيه يشوبها شبهة الربا. و المشاركة التي تفتقد الى الاسس القانونية. حيث يرجع الى بعض القضايا التي حكمت بها المحكمة بعدم صحة القرض. و ينظر اليها بنظرة التفهم بسبب حداثة البنوك الإسلامية.
و يرى بأن هناك تفاوت في الرقابة على البنوك الإسلامية من الناحية الشرعية. و يؤيد الأسلوب الماليزي. حيث توجد إدارة متخصصة بالبنك المركزي لرقابة البنوك من الناحية الشرعية.
و خلال هذا الطرح اعجبتني شجاعة الدكتور يحيى. فهو ينتقد الأشخاص المشهورين الذين يشاركون في أكثر من لجنة خبراء للبنوك الإسلامية. فيراهم غير ملمين في الامور البنكية الدنيوية الحديثة. و يرى أن سلوكهم يشوبه تعارض المصالح لأن هناك خبراء يعملون بلجان لعدة بنوك. و ينتقد التكلفة الباهضة لهؤلاء الخبراء. فالواحد منهم يقبض خمسين الف دولار بالسنة و جميع تكاليف السفر و السكن مدفوعة.
و اتفق معه عندما يدعي بأن بنك ويتير من خيرة البنوك الإسلامية. فالبنك يراقب من قبل البنك الفيدرالي الامريكي. و هذه الرقابة شديدة للغاية. فالملاك ممنوعين من التدخل في شؤون الإدارة، ان تدخلوا يعاقبهم القانون. الوضع المالي يراقب بشكل شديد. حتى تغيير الادارة يجب ان يوافق عليها البنك الفيدرالي. قيود كثيرة لا نراها في بنوكنا ان كانت إسلامية او دنيوية.

هناك تعليق واحد:

  1. الأخ بوسالم يعطيك العافية
    لاشك أن التمويل الاسلامي يعد أحد أفضل الطرق لمحاربة الربا نزولا الى حكم الشارع المقدس ، ولكن وبالرغم من مرور أكثر من 33 عام على دخوله معترك المنافسة في أسواق المال العالمية، الا انه لا يزال يشوبه بعض المخاوف نتيجة عامل التنافسية الغير شريفة بين بعض البنوك الاسلامية وبينها وبين البنوك الربوية ومحاولتها السيطرة على اكبر شريحة من المتعاملين عن طريق إيجاد تخريج شرعي لاي معضلة تواجها، وما أدل على ذلك إلا انهم كيف اوجد بعضها تخريجا للقروض عن طريق التورق الذي اعتبره البعض أكثر خطورة من الربا، كونها تستغل عاطفة الناس، ووصفوها بالحيلة الواضحة التي تتعامل بها البنوك مع كل محتاج للقروض،مما دعا مجمع الفقة الإسلامي الدولي الذي انعقد مؤخرا الى استخدام صيغ الاستثمار والتمويل المشروعة، وتجنب الصيغ المحرمة والمشبوهة، والالتزام بالضوابط الشرعية.
    أما عن مشكلة المستشاريين فليسمح لي إستاذي الكبير د. السقا أن أقول إن برامج التعليم في مجال التمويل الاسلامي سواء على مستوى البكالوريوس أو مستوى الدراسات العليا الذي أنا أحد خريجيها وخاصة في الكويت لا يمكنه بأي حال من الاحوال أن يخرج لنا مستشار شرعي يعتمد عليه البنك الاسلامي الذي دوما يتعاقد مع حملة الدكتوراه المشهوريين فقط لغرض جذب اموال اكبر شريحة من المتعاملين ، ولذلك نرى الواحد من هؤلاء من يكون مستشار لأكثر من بنك وفي اكثر من دولة بالاضافة الى عمله الاساسي.

    ردحذف